أبي منصور الماتريدي

449

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قوله تعالى : [ سورة الانفطار ( 82 ) : الآيات 13 إلى 19 ] إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 13 ) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ( 14 ) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ ( 15 ) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ ( 16 ) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 17 ) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 18 ) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ( 19 ) وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ . وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ : قد ذكرنا أن البر هو الذي ما طلب منه ، والذي طلب منه ما ذكر في قوله : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ . . . إلى قوله : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [ البقرة : 177 ] ، وفي هذه الآية دلالة على ما ذكرنا أن البر إذا ذكر دون التقوى ، اقتضى المعنى الذي يراد بالتقوى ؛ لأنه أخبر أن البر هو الإيمان بالله - تعالى - واليوم الآخر ، ثم ذكر أن الذي جمع بين هذه الأشياء ، فهو المتقي . ثم احتجت المعتزلة لقولهم بالتخليد في النار لمن ارتكب الكبيرة بقوله تعالى : وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ إلى قوله : وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ ؛ لأن مرتكب الكبيرة فاجر ، وقد وصف الله - تعالى - : أن الفجار لفي جحيم ، ولا يغيب عنها ، وزعموا أنه [ ما ] « 1 » لم يأت بالشرائط التي ذكر في قوله : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ البقرة : 177 ] فهو غير داخل في قوله : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ . والأصل عندنا ما ذكرنا : أن كل وعيد مذكور مقابل الوعد فهو في أهل التكذيب ؛ لما ذكر من التكذيب عند التفسير بقوله : كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [ المطففين : 7 ] إلى قوله : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [ المطففين : 10 ] ، وقال : تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ إلى قوله : فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ [ المؤمنون : 104 ، 105 ] ، وإذا كان كذلك ، لم يجب قطع القول بالتخليد في [ النار ] لمن ارتكب الكبيرة ، بل وجب القول بالوقف فيهم . ثم [ إن ] « 2 » الله - تعالى - جعل لأهل النار يوم البعث أعلاما ثلاثة ، بها يعرفون ، وتبين أنهم من أهل النار ، لم يجعل شيئا من تلك الأعلام في أهل السعادة : أحدها : اسوداد الوجوه بقوله : وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [ آل عمران : 106 ] . والثاني : بما يدفع إليهم كتابهم بشمالهم ، ومن وراء ظهورهم ، ويدفع إلى أهل الجنة كتبهم بأيمانهم . والثالث : في أن تخف موازينهم ، وتثقل موازين أهل الحق .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب .